محمد بن جرير الطبري
30
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
تقدير فعلاء ، جمع ضعيف على ضعفاء كما يجمع الشريك شركاء والرحيم رحماء . وأولى القراءة في ذلك بالصواب قراءة من قرأه : " وعلم أن فيكم ضعفا " و " ضعفا " ، بفتح الضاد أو ضمها ، لأنهما القراءتان المعروفتان ، وهما لغتان مشهورتان في كلام العرب فصيحتان بمعنى واحد ، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب الصواب . فأما قراءة من قرأ ذلك : " ضعفاء " فإنها عن قراءة القراء شاذة ، وإن كان لها في الصحة مخرج ، فلا أحب لقارئ القراءة بها . القول في تأويل قوله تعالى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ الجهاد يقول تعالى ذكره : ما كان لنبي أن يحتبس كافرا قدر عليه وصار في يده من عبدة الأوثان للفداء أو للمن . والأسر في كلام العرب : الحبس ، يقال منه : مأسور ، يراد به : محبوس ، ومسموع منهم : أناله لله أسرا . وإنما قال الله جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم يعرفه أن قتل المشركين الذين أسرهم صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثم فادى بهم كان أولى بالصواب من أخذ الفدية منهم وإطلاقهم . وقوله : حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ يقول : حتى يبالغ في قتل المشركين فيها ، ويقهرهم غلبة وقسرا ، يقال منه : أثخن فلان في هذا الأمر إذا بالغ فيه ، وحكي أثخنته معرفة ، بمعنى : قتلته معرفة . تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا يقول للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : تريدون أيها المؤمنون عرض الدنيا بأسركم المشركين ، وهو ما عرض للمرء منها من مال ومتاع ، يقول : تريدون بأخذكم الفداء من المشركين متاع الدنيا وطعمها . وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ يقول : والله يريد لكم زينة الآخرة ، وما أعد للمؤمنين وأهل ولايته في جناته بقتلكم إياهم وإثخانكم في الأرض ، يقول لهم : واطلبوا ما يريد الله لكم وله اعملوا لا ما تدعوكم إليه أهواء أنفسكم من الرغبة في الدنيا وأسبابها . وَاللَّهُ عَزِيزٌ يقول : إن أنتم أردتم الآخرة لم يغلبكم عدو لكم ، لأن الله عزيز لا يقهر ولا يغلب ، وإنه حَكِيمٌ في تدبيره أمر خلقه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ الجهاد وذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل ؛ فلما كثروا واشتد سلطانهم ، أنزل الله تبارك وتعالى بعد هذا في الأسارى : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً فجعل الله النبي والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار ، إن شاءوا قتلوهم وإن شاءوا استعبدوهم وإن شاءوا فادوهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا الآية ، قال : أراد أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر الفداء ، ففادوهم بأربعة آلاف ، ولعمري ما كان أثخن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وكان أول قتال قاتله المشركين . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن فصيل ، عن حبيب بن أبي عمرة ، عن مجاهد ، قال : الإثخان : القتل . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا شريك ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ قال : إذا أسرتموهم فلا تفادوهم حتى تثخنوا فيهم القتل الجهاد . حدثني الحرث قال : حدثنا عبد العزيز ، قال : ثنا إسرائيل ، عن خصيف ، عن مجاهد : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى . . . الآية الجهاد ، نزلت الرخصة بعد ، إن شئت فمن وإن شئت ففاد . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك